X إغلاق
X إغلاق
الرئيسية | من نحن | أعلن لدينا | اتصل بنا | ارسل خبر      13/12/2017 |    (توقيت القدس)

العَمالةُ المُقَنَّعَةُ والمُعلَنة/ بقلم: ابراهيم عبدالله صرصور

من : قسماوي نت -قلم: ابراهيم عبدالله صرصور
نشر : 09/08/2017 - 17:32
"عميل" كلمة مرعبة ومخيفة .. وهي في ذات الوقت كلمة محتقَرَة ومُنَفِّرة ومُقززة، الا انها تكاد تكون ملازمة لحياة الشعوب في قارات العالم كلها! "العَمالة" ظاهرة تاريخية من كثرة تكررها ورسوخ حضورها في اغلب المجتمعات، تكاد تصبح قانونا طبيعيا من قوانين الوجود رغم انها مرفوضة شكلا وموضوعا، لا يستسيغها العقل السليم ولا النفس السوية. ما من احتلال قديما او حديثا، محليا ام اجنبيا، الا ونجح في صناعة مجموعات عميلة وخائنة من الشعوب التي تعيش تحت احتلاله، قد تقل وقد تكثر، وقد تزيد وقد تنقص، لا تتورع عن ارتكاب أي فعل مهما كان خسيسا في سبيل إرضاء هذا المحتل.

مجتمعاتنا العربية والإسلامية خَبَرَتْ ثلاثة انواع من الاحتلالات كان العملاء والعَمالة ملازمة لها على الدوام.. الأول، احتلال اجنبي مباشر، منه القديم كالاحتلال الصليبي والمغولي (التتري)، ومنه المعاصر كالاحتلال الأوروبي الحديث لشرقنا العربي والإسلامي والذي بسط نفوذه من اندونيسيا شرقا وحتى المغرب العربي غربا، ومن أواسط آسيا شمالا وحتى أعماق افريقيا جنوبا، بما في ذلك فلسطين. وصل هذا الاحتلال ذروته مع بداية الحرب العالمية الأولى وخلالها وبعدها، وما ترتب على نتائجها من اتفاقات استعمارية كان لها أثرها المباشر على واقع العالم العربي تحديدا في الشرق الأوسط منذ ذلك الوقت وحتى الآن. استمر هذا الاحتلال الغربي المباشر لعقود وقرون في بعض الحالات، حتى نجحت شعوبنا العربية والإسلامية في دحر هذا الاحتلال والحصول على الاستقلال بعد جهاد طويل وتضحيات بشرية ومادية لا حدود لها، إلا فلسطين التي ما زالت تعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما زال شعبها يخوض نضاله الدامي حتى تحقيق امانيه الوطنية في الاستقلال وكنس الاحتلال.

النوع الثاني، احتلال غربي – أمريكي - صهيوني غير مباشر، نجح إلى حد بعيد في استغلال أزمات داخلية في دول الشر ق العربي والإسلامي، فوثب على اكثر من دولة عربية وإسلامية تحت لافتات يظنها الظمآن ماء، لكنها في الحقيقة ليست اكثر من استعمار جديد مقنع يهدف الى تركيع هذا الشرق ومنع نهضته والقضاء على القوى الحية فيه حتى يظل أسيرَ المصالح والامتيازات الغربية، عاجزا عن استرداد حقه والاستقلال بإرادته. تُعتبر أفغانستان والعراق من جهة، ودول الربيع العربي من الجهة الأخرى نموذجا حيا لهذا الاحتلال المقنع وغير المباشر. فالغرب في الحالتين، أفغانستان والعراق التي شن عليهما حربا مباشرة احتل فيها الأرض وسيطر فيه على الحكم واسقط فيها النظام وجاس خلال الديار واعاث في الأرض الفساد، قبل ان ينسحب منها تاركا وراءه الارض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا امتا، وكذا في دعمه للثورات المضادة في دول الربيع العربي، وفي وقوفه متفرجا امام المذابح التي ترتكبها أنظمة مستبدة مجرمة وفاسدة ضد شعوبها كنظام الأسد في سوريا ونظام الانقلاب العسكري في مصر، او تغذيته لحروب استنزاف دموية في العراق واليمن وليبيا، يهدف من ورائها جميعا إلى تحقيق نفس الأهداف التي حددها من خلال احتلاله المباشر، ولكن بأيدي (وطنية!!) هذه المرة!

"صناعة العَمالة" التي كانت ملازمة للاحتلال الغربي في الحالتين السابقتين والتي نجح في الترويج لها على نطاق واسع، فَرَّخَتْ جحافل من العملاء الذي شكلوا شوكة في خاصرة الأمة دفعت بسببها ثمنا باهضا من الدماء والارواح والمقدرات، وَمَكَّنَتْ للاحتلال في ان يرسخ وجوده في اوطان العروبة والإسلام، فما خرج منها إلا طريدا بعد ان أذاق الامة الويلات، وهو يدوس عملاءه ب – "بساطير" جنوده الثقيلة ، بعد ان داستهم "بساطير" شعوبهم فلا يُذكرون إلا واللعنات تلاحقهم أينما حلوا ، احياء أو امواتا!! 

اما النوع الثالث، فاحتلال هو الأشد والأكثر خطورة وقسوة، ابتدعته ادمغة متخصصة كانت على الدوام وما تزال ترسم للاستعمار الغربي خرائط الطريق لاستمرار هيمنته بالطرق الملائمة والمناسبة. وصلت حكومات الغرب الاستعمارية بعد تجارب استمرت لقرون أن العالم العربي والإسلامي لا يمكن السيطرة عليه من خلال الاحتلال المباشر الذي سيظل يحرك الأجيال تلو الأجيال رفضا له وجهادا في مواجهته، مستهينة بأي ثمن يمكن ان تدفعه في سبيل ذلك، الامر الذي يكلفها خسائر فادحة مقارنة مع الفوائد المرجوة. لذلك كان لا بد من طريقة اكثر ذكاء، لكنها اكثر تأثيرا واعمق خدمة لدول الغرب ومصالحه، واكثر ضمانا لبقاء الشعوب الإسلامية عاجزة عن المواجهة والمنافسة.

ليس أدل على ما ذهبت إليه بشأن الأسباب وراء السياسة الغربية الجديدة من مفردات (مؤتمر كامبل بنرمان )، وهو مؤتمر انعقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين يهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وأن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية ، إنما يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية ، لا سيما بعد ان أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً دينيا وقومياً ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية إلى فلسطين...

اكد المؤتمر في مناقشاته على ان خطورة الشعب العربي تأتي من عوامل عدّة يملكها : وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان والسيطرة على أغنى مناطق العالم وأكثرها استراتيجية برا وبحرا وجوا... لم ينس المؤتمر أيضاً، عوامل التقدم العلمي والفني والثقافي. رأى المؤتمر ضرورة العمل على استمرار وضع المنطقة العربية متأخرا، وعلى تكريس التفكك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها (عميلة). ولذا أكد المؤتمرون فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي، وضرورة إقامة الدولة العازلة ( Buffer State )، عدوّة لشعوب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية. كان اتفاق سايكس- بيكو (1916) بداية التنفيذ لمؤتمر (كامبل بنرمان).

أدى هذا الوضع الجديد إلى نشوء نوع مُتَطَوِّر من العملاء والعمالة تجسدت في أنظمة حكم مستبدة وفاسدة امتلكت الثروة والسلطة في دول هي نتاج مؤامرة سايكس- بيكو، اغتصبت الحكم وتفننت في السيطرة على شعوبها بالحديد والنار، وعربدت في إدارة البلاد والعباد حتى أصبحت الأكثر تخلفا وذلا وهوانا، دعمتها جحافل من الانتهازيين والمتملقين والطفيليات من طبقات المجتمع المختلفة مهمتها الترويج لمنظومات الحكم الفاسدة والمستبدة مقابل فتاتٍ من المصالح تتساقط من موائد الفسدة المستبدين. لماذا ولأي غرض؟ خدمة لمصالح الدول الغربية المتواطئة مع هذه الأنظمة الفاسدة والحامية لها من غضبة شعوبها، والتي تحرك الخيوط من وراء الكواليس ومن أمامها أيضا إذا اقتضت الضرورة من جهة، وقمعا لكل القوى الحية في الشعوب المنادية بالاستقلال الحقيقي والتخلص من الاستبداد والفساد ونشر الديموقراطية الحقيقية والحفاظ على هوية الامة من المسخ والضياع، من الجهة الأخرى.

لم تعد "العَمالة" في هذه المرحلة سياسية وامنية فقط، بل تطورت لتصبح "عَمالة ثقافية" و "خيانة حضارية" .. من اجل سيطرة الغرب على عالمنا العربي والإسلامي كان لا بد من التحرك على مسارين متوازيين ومتكاملين: فساد الحكام وفساد الشعوب، فساد الراعي والرعية معا، وقد التقت مصالح الغرب المستعمر مع منظومات الحكم (الوطنية!!) التي تمارس الاحتلال باسمه، في فتح بوابات العالم العربي والإسلامي أمام حملاتِ غزوٍ من نوع جديد هو "الغزو الثقافي" لعب فيه "عملاء الثقافة" وسماسرتها دورا خيانيا كبيرا أدى إلى مسخ الهوية الدينية والوطنية للامة وهدم حصونها الثقافية الاصيلة حتى تبقى سهلة القياد والانقياد، مسلوبة الإرادة، فاقدة للأمل والاحلام، مهيضة الجناح، تخاف من خيالها، وترتعد فرائصها خوفا على حياتها ولقمة عيشها.. لا تطمع في عيش كريم ولا حرية ولا كرامة وطنية، ولا تهتم بمستقبل أمة ولا تسعى لتحرير اوطان او مقدسات.. تجدها احرص الناس على حياة، أية حياة حتى لو كانت تحت نعال العسكر وأحذية رجال الامن! بل تتجاوز ذلك إلى ان تسعى راضية إلى ان تكون السوط في يد الجلاد الظالم تُلهب به ظهور الشرفاء ممن امتدت أيديهم لها بالخير، ولسانَه الذي لا يتورع عن التطاول عليهم وقذفهم بالحجارة حتى الموت لو طلب الحاكم منهم ذلك.

خلاصة الموضوع، "العمالة السياسية" و "العمالة الأمنية" و " والعمالة الثقافية" ، وجوه لعملة واحدة .. كلها تسعى الى تخريب المجتمعات وإفقادها عوامل الصمود والتماسك في وجه التحديات.. لذلك، لا بد لكل شعب ونحن واحد من هذه الشعوب، إذا ما أراد النهوض من ان يتنبه إلى هذا السرطان الاخذ في التفشي ولكن بطرق اكثر خبثا ودهاء وقدرة على التخفي والاختباء وراء أقنعة ظاهرها "الرحمة!!" وباطنها العذاب الأليم!!

الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع قسماوي نت يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: info@kasmawi.net

 
لارسال مواد واخبار لموقع قسماوي نت البريد: info@kasmawi.net

اضف تعقيب

ارسل