X إغلاق
X إغلاق
الرئيسية | من نحن | أعلن لدينا | اتصل بنا | ارسل خبر      22/07/2019 |    (توقيت القدس)

اقتصاد روسيا يتراجع وإيران والسعودية في تدهور.. أبرز توقعات الاقتصاد لعام 2019

من : قسماوي نت
نشر : 10/01/2019 - 10:48

في عالم اليوم، أصبحت الحدود والحواجز الجغرافية مجرد خطوط على الخريطة لا يمكنها ردع الترابط والتشابك بين البلدان المختلفة، ويمكن للأحداث الواقعة في منطقة ما أن تؤثر بشدة على منطقة أخرى، وفي أحيان كثيرة قد تنتشر لتطول العالم بأكمله. وما قد يكون حدثا بسيطا في منطقة صغيرة بدولة ما، قد يتحوّل بشكل دراماتيكي ليغطي كامل تلك الدولة، وقد يتسع للعديد من الدول المجاورة.

  

في هذا الرصد المختصر، نحاول استشراف القرارات والسياسات الاقتصادية العالمية والعربية القادمة، ونقرأ من خلاله المشهد الاقتصادي المتوقع خلال عام 2019 في البلدان الرئيسة والمحورية على خارطة اقتصاد الشرق الأوسط -آسيا وأفريقيا-، لا سيما تلك السياسات التي سيكون لها أكبر الأثر في إحداث تغيرات عديدة على شعوب تلك الدول.

  

     

إيران

في الوقت الذي تظهر فيه نتيجة بديهية تقضي بأن العقوبات المفروضة من قِبل الولايات المتحدة على إيران ستضر كثيرا بطبيعة الحال باقتصاد دولة الملالي، فإن تلك الأضرار لن تؤدي على الأرجح إلى انهيار الحكومة الإيرانية، وذلك لخبرتها الكبيرة في التعامل مع العقوبات الأميركية والعزلة الاقتصادية عموما. فعلى مدار 40 عاما من ممارسة الكفاف الاقتصادي، اكتسب النظام الإيراني ما يمكننا أن نُطلق عليه "مناعة مالية" جعلته -ومن ورائه حكومات طهران المختلفة- يبرع في البقاء على قيد الحياة السياسية تحت مطارق أي عقوبات.

  

وفي مواجهة عقوبات إدارة الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، ستستمر إيران في تنويع علاقاتها الاقتصادية مع البلدان التي تقف على طرفي نقيض من الغرب، سواء كانوا الأعداء التقليديين مثل روسيا والصين، أو بعض الدول في شرق ووسط آسيا لا سيما المتاخمة لها، أما واشنطن فستواصل حملتها لعزل إيران إقليميا واقتصاديا وبالتالي إضعافها من الداخل.

  

لكن التدهور الاقتصادي الحادث سيُجبر الحكومة الإيرانية على إجراء مزيد من الإصلاحات المالية والهيكلية المطلوبة، والتي كان الاقتصاد في حاجة ملحة إليها حتى بدون عقوبات، وهي إصلاحات مطلوبة لمواجهة الندرة المتزايدة للعملات الصعبة، واستمرار تدفق الأموال لخارج إيران، وبالتالي ستقوم الحكومة بفرض ضوابط صارمة على رأس المال، كأن تُجبر المصدرين على إعادة الأموال الأجنبية التي يحصلون عليها لحوزتها الرسمية، وكأن تضع حدودا لكمية الذهب والمال الذي يُسمح للأفراد بحيازته، وستصاحب تلك الإجراءات على الأرجح عقوبات صارمة للمخالفين، كالإعدام مثلا.

    

    

ستؤدي تلك العقوبات بطبيعة الحال إلى مزيد من انهيار الريال الإيراني، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم بشكل مطّرد قد يصل إلى 40% بنهاية العام كما يُقدر صندوق النقد الدولي، وربما تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية مختلفة، وبالتالي ستُجبر طهران على الاعتماد بصورة أكبر على شركاتها المحلية، لا سيما المملوكة للدولة، وعلى الكيانات شبه الحكومية والمؤسسات والجمعيات الخيرية المعروفة بـ "بونياد" لموازنة الاستثمارات الأجنبية المفقودة، وللحفاظ على بعض النشاط الاقتصادي، وتقليل معدلات البطالة التي سترتفع لا محالة(1).

  

السعودية

1- رؤية 2030

ستواصل المملكة على مدار 2019 العمل على تنفيذ أهداف رؤية ولي عهدها "محمد بن سلمان" المعروفة بـ "رؤية 2030"، ولكن الرياض ستتجنب إجراء تغييرات هيكلية قاسية على اقتصاد البلاد، لا سيما ما يتعلق منها بأسواق العمل، وذلك بسبب العلامات الاقتصادية الإيجابية البادية في الأفق مثل ارتفاع أسعار النفط ببطء، وارتفاع الإيرادات لتعويض حصة النفط العالمي المفقودة من إيران بسبب العقوبات، وأيضا تحقيق إيرادات من قطاع البتروكيماويات، وبالتالي سوف تخفف المملكة من الإجراءات التقشفية وإصلاحات سوق العمل بسبب الصعوبات التي واجهتها الشركات خلال العام الماضي 2018 بعد رحيل آلاف العمال الأجانب، وعدم تكيّف السعوديين حتى الآن على قبول بعض الوظائف بأجور العامل الأجنبي المتدنية نفسها.

  

أما الإنفاق الحكومي فسيرتفع في الموازنة العامة السعودية مرة أخرى، وهو أمر يتعارض مع هدف تشجيع القطاع الخاص وتخفيف اعتماد الاقتصاد في نموه على القطاع الحكومي، وذلك بسبب محاولة المملكة تعويض نقص الاستثمارات، ودفع النشاط الاقتصادي بعيدا عن النفط لاستمرار تراجع الاستثمارات الأجنبية(2)، وعدم قدرة القطاع الخاص على توسيع قاعدة أعماله لعدم اليقين بسبب دواعي مقتل الصحافي السعودي "جمال خاشقجي"، واحتمالية تعرض الرياض لعقوبات أو تضييق اقتصادي في أي وقت، والخوف من القرارات المفاجئة لـ "ابن سلمان" مثل تكرار حملة اعتقال رجال الأعمال "ريتز كارلتون".

    

     

2- النفط

خلال النصف الأول من العام الحالي، سيظل التناغم بين السعودية وروسيا حاضرا لتنفيذ اتفاق "أوبك" الأخير، في 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بتخفيض الإنتاج بما قدره 1.2 مليون برميل يوميا، مع مراقبة مستمرة للأسواق لمنع انزلاق الأسعار مرة أخرى. ولكن المعادلة ستتغير، على الأرجح، خلال النصف الثاني من العام بسبب ارتفاع الإنتاج الأميركي من النفط الصخري، والتباطؤ المحتمل في نمو الاقتصاد العالمي، وأيضا احتمالية ارتفاع الإنتاج العراقي بعد توقيع اتفاق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان برعاية أميركية، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يتم بموجبه تصدير نفط محافظة "كركوك" عن طريق خط أنابيب كردستان-تركيا وبشكل متدرج في الإنتاج.

    

    

وإذا عادت مستويات صادرات "كركوك" لطبيعتها، فسيتم ضخ نحو 400 ألف برميل في الأسواق يوميا(3)، وبالتالي ستحتاج "أوبك" إلى إجراء تخفيض آخر، وإذا لم تتمكن الرياض من إقناع موسكو -ليست عضوا بأوبك- بإجراء تخفيض جديد، ستتهاوى الأسعار مرة أخرى لأن المملكة لن تتمكن من تحمل وطأة تخفيض الإنتاج وحدها في ظل اعتماد موازنتها شبه الكامل على تدفقات النفط. بينما يبدو أن روسيا لا تنوي إجراء تخفيض حقيقي لإنتاجها النفطي، فحتى التخفيض الأخير، والذي وافقت عليه مع أوبك بنحو 230 ألف برميل يوميا، سبقته بإنتاج قياسي تخطى 11 مليون برميل، واشترطت بموجبه أن يكون التخفيض على مستوى إنتاجها وقت الاتفاق.

  

قطر

ستحاول قطر خلال العام الحالي إثبات قدرتها على تحقيق الازدهار الاقتصادي رغم الحصار الخليجي المستمر عليها منذ أكثر من عام ونصف، وستنجح في ذلك على الأرجح بصورة كبيرة، فالمؤشرات الاقتصادية الكلية خلال العام الماضي 2018، والحالي أيضا، تُظهر قوة الاقتصاد القطري وتماسكه بخلاف اقتصادات دول الحصار لا سيما البحرين وبدرجة أقل السعودية.

  

سيرتفع النمو الاقتصادي القطري خلال 2019 ليصل إلى 3.1% وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة(4)، مدفوعا بنمو القطاعات غير الهيدروكربونية، وانتعاش في إنتاج الغاز المسال والنفط، والإنفاق على البنية التحتية، وجراء ذلك سيحدث فائض في الموازنة العامة القطرية لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ولن يتم تطبيق ضريبة القيمة المضافة خلال 2019 كما كان مقررا، في حين دخلت ضريبة "الخطيئة" حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني الحالي لتفرض على السلع الضارة بالصحة(5).

 

وسيكون عام 2019 نقطة انطلاق قوية في صناعة الغاز القطري بعد بدء الإنتاج من الخط الرابع الجديد لزيادة الطاقة الإنتاجية للغاز المسال من حقل الشمال، وبالتالي زيادة القدرات الإنتاجية. وسيشهد الغاز القطري منافسة من نظيره الأميركي في العام الحالي بعد زيادة إنتاج الشركات الأميركية بنسب كبيرة بداية من الربع الثالث لـ 2019، ولكن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين ستحد قليلا من تأثير تلك المزاحمة الأميركية لغاز الدوحة، حيث تُعتبر الصين ثاني أكبر مستهلك للغاز الطبيعي في العالم، وتزداد شهيتها يوما بعد آخر بسبب عمليات إحلال الطاقة لديها بالاستغناء عن الفحم، ما دفع قطر لسرعة التحرك وتوقيع عقود مؤخرا بمضاعفة الكميات المصدرة للصين من الغاز المسال.

  

    

ستستمر الدوحة أيضا في إصلاحاتها الهيكلية تبعا للخطة الإستراتيجية الإنمائية الثانية، والتي تستهدف التنوع الاقتصادي من خلال التركيز على قطاعات ذات أولوية كالتصنيع والخدمات المالية والسياحة، وتشجيع دور القطاع الخاص من خلال المشاركة بينه وبين القطاع العام في مجالات الأمن الغذائي والتصنيع والصحة والتعليم.

  

إسرائيل

سيتراجع الاقتصاد الإسرائيلي بشكل مطرد خلال 2019 إلى نسبة 3.5% بسبب بطء نمو التجارة العالمية، وفقا(6) لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي تقديرات متفائلة بالنسبة لتوقعات أخرى تشير إلى تراجع النمو الاقتصادي للكيان المحتل إلى ما بين 2 و2.5%. وستشهد الموازنة العامة الإسرائيلية لـ 2019 مزيدا من العجز المالي بسبب تراجع إيرادات الضرائب الناتج عن تراجع النمو الاقتصادي، ولارتفاع الإنفاق الحكومي.

 

ورغم ذلك، ستستمر الصادرات الإسرائيلية في النمو، وستواصل الصين ضخ ملايين الدولارات في الشركات الناشئة التكنولوجية بإسرائيل، وبخاصة شركات التكنولوجيا العالية في مجالات البرمجيات وعلوم الحياة (life science companies)، وفي العام الحالي كان نصيب الشركات الإسرائيلية الناشئة من الأموال الصينية نحو 325 مليون دولار، وفقا لتقرير لمركز أبحاث "IVC" ومقره تل أبيب(7).

    

    

سيجلب ذلك على الأرجح غضب الولايات المتحدة، ففي ظل حربها التجارية مع الصين، وصراعها المحتدم لمنع وصول الشركات الصينية للتكنولوجيا العالية التي تتمتع بها الشركات الإسرائيلية، فإن واشنطن ستتوقع من حليفها الرئيس في الشرق الأوسط أن يمتثل لجهودها في احتواء الصين، وبالتالي ستتلقى إسرائيل ضغوطا أميركية كبيرة للحد من قدرة العملاق الآسيوي على الوصول للتقنيات المتطورة الإسرائيلية والاستثمار في الأصول الإستراتيجية هناك.

  

وبالتالي، ستحتاج الحكومة الإسرائيلية -سواء باستمرار نظام نتنياهو أو بدونه- إلى السير على خط رفيع في إدارة علاقاتها مع بكين، فمن ناحية، لا تريد تل أبيب خسارة الأموال الصينية، وهي أموال لن تقتصر بطبيعة الحال على قطاع التكنولوجيا فقط، وإنما تتجلى العديد من الفرص الصينية أمام إسرائيل في مبادرة "الحزام والطريق" والتي يُمكنها تحويل الكيان المحتل لقوة اقتصادية كبرى في المنطقة، وربما عالمية، من خلال مشاريع البنية التحتية الضخمة كإدارة موارد الطاقة في البحر المتوسط، أو إقامة موانئ جديدة على شواطئها المتوسطية، وإقامة طرق تجارية جديدة مع الدول العربية المجاورة، وتعزيز تحالفها الاقتصادي الجغرافي مع قبرص واليونان(8).

 

ومن ثم، ستسعى تل أبيب لنيل نصيبها من كعكة مشاريع الحزام والطريق الضخمة لدفع نموها الاقتصادي، وفي الوقت نفسه ستحاول ألا تُثير غضب واشنطن وإدارة "ترامب" تحديدا بأي حال. وبالتالي، ستكون مهمتها الرئيسة هي إحداث توازنات مرضية للجميع، كأن تحاول إبعاد الصين عن المجالات الحساسة التي تُثير حفيظة الولايات المتحدة ومن ثم تحافظ على الأمن القومي الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تفتح المجال لبكين أمام كل قطاعات الاقتصاد التي لن تُثير حساسية الأميركيين، ولكن تلك المحاولات سيقابلها ضغط صيني للوصول للقطاعات الإسرائيلية ذات الخطوط الحمراء الأميركية، وربما ستساوم بكين على استثمارات البنية التحتية التي تحتاج إليها إسرائيل بشدة.

  

    

وفي الواقع، لن تكون الولايات المتحدة هي المصدر الوحيد للضغط على إسرائيل، وستدخل الهند أيضا، أكبر عميل يبتاع السلاح الإسرائيلي عالميا، وبدرجة أقل اليابان، للضغط على الحكومة الإسرائيلية القادمة، ومنع الصين من الوصول للتقنيات الدفاعية المتطورة لشركات الاحتلال.

   

تركيا

سيستمر الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" والحكومة التركية طوال العام الحالي في الكفاح لإدارة اقتصاد البلاد الذي ما زال هشًّا حتى الآن، وبفضل الضوابط الكبيرة على الأسعار والعملة، وتدخلات البنك المركزي ورفع أسعار الفائدة؛ خرجت تركيا من أزمتها دون حدوث انهيار اقتصادي كلي. لكن المعضلة التي ستواجهها الحكومة هي أن جميع المكونات التي شكّلت الأزمة ما زالت موجودة كنيران تحت الرماد، وبالتالي يمكن لتلك المكونات التضافر من جديد والعودة بشكل أسوأ من ذي قبل.

 

لذا، تبدو آفاق الاقتصاد التركي سيئة على الأرجح خلال 2019 بسبب مزيج المشاكل، ما بين مستويات ديون مرتفعة على الشركات المحلية، وعملة ما زالت غير مستقرة، وتناقص في الاستثمار الأجنبي، وزيادة في عجز الحساب الجاري، وتضخم مرتفع، وتراجع في قطاع التصدير واهتزاز في ثقة المستهلك(9). وبالتالي من المتوقع أن يتراجع النمو الاقتصادي التركي إلى ما نسبته 3.6% على أكثر التقديرات تفاؤلا وهو تقدير وكالة "فتيش للتصنيف الائتماني، أو إلى ما نسبته 0.8% عند أقل التقديرات تفاؤلا وهو تقدير محللي "بلومبيرج"، وما بينهما.

   

وتأتي خطورة الوضع في 2019 مما قيمته 200 مليار دولار، أو ربع الناتج المحلي الإجمالي التركي، وهو مبلغ هائل يجب على الشركات التركية دفعه في غضون الـ 12 شهرا القادمة، ويأتي معظم ذلك المال بالدولار، لذا، فإن أي هزة في قيمة الليرة تعني صعوبة سداد الشركات لديونها تلك. وستحاول الحكومة التركية التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت من 18.7 مليار دولار عام 2015 إلى 10.8 مليار دولار عام 2017، بمزيد من الإصلاحات المالية والمؤسسية.

   

   

وستركّز الحكومة بصورة أكبر على معالجة مشكلة ارتفاع معدل التضخم بسبب اقتراب موعد الانتخابات المحلية في مارس/آذار القادم، والتي سيذهب الأتراك إليها يرافقهم شبح ارتفاع أسعار السلع لا سيما الأساسية منها، ما يعني انخفاض المكاسب التي يمكن لحزب العدالة والتنمية جنيها في الانتخابات إن استمر الوضع كما هو عليه أو تفاقم بلا تحركات اقتصادية سليمة.

    

وفي الوقت نفسه سيُهدّئ أردوغان من التوترات المتصلة بين تركيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، لأن تلك التوترات السياسية هي مصدر قلق كبير للاقتصاد التركي. فيمكن لواشنطن فرض عقوبات أو تعريفات جمركية تؤثر بشدة على الليرة، ويمكن لدول بروكسل غلق أبوابها أمام الصادرات التركية، وهي ورقة رابحة دوما للاتحاد الأوروبي في مواجهة السياسة التركية القوية، لأن أوروبا استهلكت -على سبيل المثال- بضائع تركية بقيمة 86.4 مليار دولار عام 2017 فقط وفقا(10) لمكتب الإحصاء الأوروبي "Eurostat"، ما يعني أنها أكبر جهة عالمية تستورد وتشغل عجلة التصنيع التركي.

    

الجزائر

عقب انهيار أسعار النفط عام 2014 بدأ الاقتصاد الجزائري المترهل، والذي يعتمد بشكل رئيس على إيرادات النفط، في المعاناة، وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه إجراء تغييرات هيكلية من أجل تنويع الاقتصاد؛ استمرت الحكومة الجزائرية بالنمط الاقتصادي نفسه؛ ارتفاع في الإنفاق العام مع نقص في الإيرادات، ومحاباة طبقة من رجال الأعمال الذين يستفيدون من العقود الحكومية، وبالتالي فقد فرغت خزينة الدولة سريعا وبدأت مرحلة العجز، علاوة على حالة الشلل السياسي التي تُخيّم على البلاد منذ سنوات بفعل استمرار الرئيس التاريخي "عبد العزيز بوتفليقة" في السلطة، وهي حالة تساهم بشدة في خلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي.

  

    

ويبدو أن عام 2019 سيكون عام دفع ثمن التقاعس عن تنفيذ النظام لإستراتيجية شاملة للإصلاح، وبالتالي، من المتوقع في ظل الأحوال الاقتصادية الحالية أن يدخل الاقتصاد الجزائري في أزمة حادة قد يؤخّرها قليلا ارتفاع أسعار النفط، وهو ارتفاع لن يدوم طويلا في الغالب. وسيؤدي حدوث الأزمة الاقتصادية المحتملة على الأرجح، وإن استمرت حال حدوثها، إلى اندلاع احتجاجات شعبية جزائرية ولكنها قد تكون بصورة أكثر فوضوية وتشعّبا.

  

إثيوبيا

تُعد إثيوبيا العملاق الاقتصادي الصاعد في أفريقيا، وستستمر حكومة رئيس الوزراء الطموح "آبي أحمد" في نهجها الإصلاحي -وإجراء عملية التحرير الاقتصادي- في بنيان اقتصادي لا تزال الحكومة تقود فيه القطاع العام المتضخم، ولا تزال تحتكر العديد من القطاعات الرئيسة، بما في ذلك الاتصالات السلكية واللاسلكية والنقل الجوي والسكك الحديدية، بينما يتكوّن القطاع المالي من البنوك المحلية فقط.

  

وستقوم الحكومة الإثيوبية بالخصخصة الجزئية للشركات المملوكة للدولة، مثل شركة الاتصالات "إيثيو تليكوم" إحدى أكبر شركات الاتصالات في أفريقيا ومصدر الحكومة الأول للنقد المحلي، ومثل شركة الطيران الإثيوبية، أكبر مولّد للنقد الأجنبي في البلاد، وغيرها من الشركات(11). وستتسابق الشركات متعددة الجنسيات من الشرق والغرب لاقتناص حصة في السوق الإثيوبي البكر غير المستغل، وسيدفع اتفاق السلام مع إريتريا حجم الصادرات الإثيوبية للأمام بشكل متزايد، فيما سيقلل الوصول للموانئ الإريترية من ازدحام ميناء جيبوتي وبالتالي تقليل ساعات الشحن ومن ثم زيادة حركة التجارة الإثيوبية الدولية بشكل كبير.

    

    

ورغم ذلك، سيعاني الاقتصاد الإثيوبي من تحديات عدة في العام الحالي، أبرزها استمرار مشكلة نقص السيولة بسبب التركيز على مشاريع البنية التحتية باهظة التكاليف مثل سد النهضة، والتي أدّت إلى نقص حاد في النقد الأجنبي إلى حد يعاني فيه الإثيوبيون من نقص في الأدوية المستوردة، وينتظر بسببه المستثمرون فترات طويلة لتبادل العملة، ولكن خصخصة بعض الشركات المحلية سيساهم في تقديم معالجة مؤقتة لتلك المعضلة.

    

وسيتعيّن على "آبي أحمد" الإسراع في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية العميقة في الجهاز الإداري الإثيوبي، وعلى رأسها معالجة مشكلة البيروقراطية المتأصلة في جهازه، والاهتمام بقطاع الزراعة بصورة أكبر من المستوى الحالي باعتباره يحتضن 85% من القوى العاملة الإثيوبية ويهيمن على النسبة الكبرى من صادرات البلاد، وبالتالي، إذا لم يتمكّن نظام رئيس الوزراء الشاب الجديد من تعزيز القطاع، فلن ترقى الصادرات للحجم المأمول في العام الحالي، ولن تتمكّن الحكومة من استغلال إنجازها بإقامة علاقات جيدة مع الجارة الساحلية والعدو التاريخي "إريتريا"، ولن تتمكّن أيضا من استغلال مواطئ الأقدام التي وضعتها في أغلب موانئ شرق أفريقيا على مدار الأعوام الماضية.

  

ومن المتوقع أن تبدأ الحكومة الإثيوبية في إجراء حوار مجتمعي حول إنشاء "بورصة"، فإثيوبيا وحتى الآن تُعد من أكبر الدول التي لا تمتلك بورصة، وهو أمر يُقيّد الاستثمارات المحلية والأجنبية ويزيد من عدم الشفافية ويقلل من كفاءة الاقتصاد.

  

الهند

1- مودي-ترامب

انضمت الهند في يونيو/حزيران للعام الماضي 2018 إلى الصين والاتحاد الأوروبي وكندا في الحرب التجارية المضادة والموجّهة للولايات المتحدة، كان ذلك حينما أعلنت نيودلهي فرض رسوم جمركية ضد واردات الصلب والألومنيوم من أميركا. ولكن الهند، بخلاف الأطراف الأخرى، قامت بتأجيل تطبيق الرسوم إلى بداية أغسطس/آب، ثم قررت حكومة رئيس الوزراء "ناريندرا مودي" تأخير تطبيق القرار مرة أخرى.

  

لذا وعلى الأرجح، سيظل مودي يؤخر التطبيق لحين التواصل لاتفاق مع واشنطن، وهو الاحتمال الأقرب، ولكن إن فشلت المفاوضات فلن تتأخر الهند في تطبيق الرسوم، وعقب ذلك سيقوم ترامب بالرد بإجراءات ستؤلم الاقتصاد الهندي، وهو ما سيُشكّل -إن حدث- معضلة كبيرة أمام "مودي" الذي يسعى لإعادة انتخابه في العام الحالي. فبمجرد فرض إدارة "ترامب" لرسوم على أكبر صادرات الهند إليها مثل الماس والأطعمة البحرية وقطع غيار السيارات والأدوية، ستتسبب مباشرة في معاناة الاقتصاد الهندي(12). ويمكن لـ "ترامب" الضغط على نيودلهي لإزالة الحواجز على قطاعات كالزراعة والألبان، وهي صناعات حساسة وذات مكانة كبيرة في اقتصاد الهند الريفي، وهو ما سيتم ترجمته إن حدث إلى سخط شعبي على "مودي" في صناديق الاقتراع.

    

   

لكن ذلك السيناريو يبقى غير مرجح في ظل رغبة مشتركة بين واشنطن ونيودلهي في تعزيز شراكتهما، وخاصة على المستوى الدفاعي، حيث تريد الهند تعويض اختلال توازنها العسكري مع الصين من ناحية، وتشجيع عمليات نقل التكنولوجيا العسكرية إلى المنتجين المحليين لتقليل الاعتماد على الخارج. أما الولايات المتحدة فلا تريد بالتأكيد خسارة أكبر مستورد للسلاح في العالم، وفي الوقت نفسه أكبر عميل لروسيا(13)، ويسعى المجمع الصناعي العسكري الأميركي منذ أعوام لتغيير ذلك الاحتكار الروسي للسوق الهندية العسكرية، وسيؤدي الملف العسكري كما هو متوقع إلى تقريب وجهات النظر في القضايا التجارية العالقة بين الطرفين.

  

2- الهند-الصين

ستستمر مرحلة التوتر بين الهند والصين خلال العام الحالي أيضا وبخاصة في ملف التنافس الجيوسياسي والاقتصادي في المحيط الهندي. فرغم هيمنة الهند على منطقة جنوب آسيا، فإنها تواجه توسعا اقتصاديا طموحا من قِبل الصين في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، وهي المبادرة التي ستفي بمتطلبات البنية التحتية للبلدان المجاورة للهند بصورة لا تستطيع نيودلهي مضاهاتها.

  

ولذلك ستسعى الهند لتعميق نفوذها في المحيط الهندي وتعزيز العلاقات الثنائية ليس فقط مع الولايات المتحدة، ولكن أيضا مع اليابان وأستراليا، كما أنها لن تترك البلدان المجاورة لها ودول المحيط الهندي في القبضة الصينية، وإنما ستسعى للدخول في سباق البنية التحتية قدر إمكاناتها، ولإقامة شراكات تجارية في بلدان مثل "بوتان" و"نيبال" و"جزر المالديف" و"إندونيسيا"(14). لكن الاحتكاك الشامل بين القوتين غير وارد في 2019، فالصين مشغولة في حربها التجارية والاستثمارية مع "ترامب"، وبالتالي فلن يكون من مصلحتها إثارة نزاع مع الهند بأي حال، أما "مودي" نفسه فلديه ملف أكثر أهمية يتعلق ببقائه في السلطة بالأساس وهو ملف الانتخابات الداخلية القادمة بعد أشهر قليلة، وبالتالي سيتجنّب الدخول في مواجهة قد تكلّفه الكثير شعبيا قبيل الموعد في مايو/أيار القادم.

  

    

3- نيودلهي والدولار

وإذا كان من المتوقع أن يظل الدولار قويا خلال العام القادم؛ فيعني ذلك بالضرورة استمرار ضعف الروبية الهندية، وفي محاولته لمواجهة التضخم سيضطر البنك المركزي الهندي لتشديد السياسة النقدية العامة للبلاد، وهو ملف سيُمثّل نقطة الخلاف الرئيسة مع حكومة مودي. وسيستمر المركزي الهندي في رفع أسعار الفائدة في العام الحالي لمواجهة ضعف الروبية، ولكن ذلك لن يساعد العملة المحلية في الصمود أمام الدولار، فهناك عامل خارجي لا تستطيع الهند فعل شيء حياله وهو ارتفاع أسعار النفط.

  

يؤثر ارتفاع أسعار النفط على العملة الهندية بشكل شديد المباشرة والقوة، فنجد أن قيمة الروبية تنخفض كلما ارتفعت الأسعار تبعا لأن الهند مستورد رئيس للنفط الخام، وفي ظل سعر مرتفع للنفط -حتى ولو دام لأشهر معدودة- فإن العجز في الحساب الجاري الهندي سيرتفع أيضا(15). وبعد الأزمات الاقتصادية التي ضربت عدة أسواق ناشئة -كما حدث في تركيا والأرجنتين- فإن ثقة المستثمرين قد اهتزت قليلا في تلك الأسواق، وهو ما سيضع مزيدا من الضغوط على الروبية. وإذا استمر البنك المركزي الهندي في الرفع المتدرج لأسعار الفائدة، فسيتأثر معدل النمو الاقتصادي، ويُعد ذلك السبب الرئيس لاعتراض ومقاومة الحكومة الهندية لسياسة البنك المركزي في هذا الشأن.

  

الصين

1- الحرب الأميركية

ستستمر الحرب التجارية والمنافسة على الهيمنة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، لا على مدى 2019 فقط، وإنما لسنوات قادمة قد تصل لعقود. وسيتعيّن على بكين مواجهة الجهود الأميركية الرامية لمنع الصعود الصيني، بما في ذلك عرقلة التحركات الصينية نحو الصناعات الواردة في إستراتيجية البلاد "صنع في الصين 2025"، وبما في ذلك أيضا تنديد واشنطن المستمر بالممارسات التجارية الصينية والوصول المقيد إلى الأسواق وممارسات الملكية الفكرية والتجسس الصناعي.

  

وستأتي إستراتيجية الصين قصيرة الأجل للتعامل مع هذا الوضع في التركيز على الحفاظ على موقف منفتح تجاه المفاوضات، ومحاولة الحفاظ على علاقاتها كما هي مع قنوات الأعمال الأميركية حتى لا تقوم بتحفيزها ضدها بأي شكل، وبالتالي لن تنتهج بكين موقفا تصادميا حادا مع قطاع الأعمال الأميركي، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى التحديات الاقتصادية الصينية المحلية، فنجد أن اقتصاد العملاق الآسيوي مثقل بالديون، وهناك توترات ناجمة عن إصلاحات سوق العقارات المنهك بفعل المضاربة، ويسبب الضغط الأميركي تفاقم هذه التحديات مما لا يجعل بكين متحمسة لهدم علاقاتها مع قطاع الأعمال الأميركي في سبيل مواجهة "ترامب".

    

      

ويعتمد الأمر في النهاية على التعريفات والضغوط التجارية التي ستنفّذها واشنطن بعد انتهاء مهلة الـ 90 يوما الأخيرة، وهي أمور ستحدّدها المفاوضات بين الطرفين. ولا تملك أميركا سوى جولتين فقط من خيارات التعريفة الجمركية، قبل أن ينتهي بها الأمر إن حدث لفرض الضرائب على جميع السلع الصينية المستوردة. وإذا ما قررت إدارة "ترامب" تنفيذ التعريفات في الجولتين، فسيؤثر ذلك على الاقتصاد الصيني بطبيعة الحال، فمن المتوقع أن تزيد البطالة حينها بمقدار 5.5 مليون شخص، وأن ينخفض الناتج المحلي الصيني العملاق بنحو 1%، وهي نسبة ليست بالهينة، وربما سيؤدي ذلك إلى إعادة توطين للمصنّعين الصينيين(16).

  

وعليه، سيضع هذا السيناريو الصين في ضغوط كبيرة لإبقاء اقتصادها فعّالا بأي حال، ولن تقع بكين في خطئها السابق مرة أخرى حينما أفرطت في الائتمان وذلك لاحتواء المزيد من مخاطر الديون، ولكن أمامها العديد من الخيارات الأخرى، ويأتي في مقدمتها الاعتماد على الذات، كأن تواصل إصلاحاتها الداخلية وتخفف قبضتها على بعض القطاعات للوصول لهدفها المتمثّل في خلق صناعة محلية أكثر تنافسية وذات قيمة مضافة.

  

ومن أجل زيادة قدرتها على امتصاص الضغوط الأميركية دون تعطّل التصدير على المدى الطويل، ستعمل بكين على تنويع أسواق التصدير لكسر واشنطن وحلفائها، وسيؤدي ذلك بها إلى الانخراط بصورة أكبر في مبادرة "الحزام والطريق" لإقامة علاقات أعمق مع دول المبادرة. فخلال النصف الأول تقريبا من العام الماضي 2018، استحوذت دول الحزام والطريق على نحو 27% من إجمالي قيمة التجارة الخارجية للصين وهو ما يتجاوز حجم تجارة الأخيرة مع الولايات المتحدة، ولكنه ما زال غير كافٍ للتملص الكامل من السيطرة الأميركية، لذا ستدمج الصين المزيد من الدول في إطارها.

  

    

كما أن بكين ستسرع الخطى أيضا نحو إبرام اتفاقيات التجارة الحرة الإقليمية مثل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة "RCEP"، بالإضافة إلى المفاوضات التجارية الثلاثية مع اليابان وكوريا الجنوبية، ومن المتوقع أن تنخرط بكين في مفاوضات مع الكيانات والدول الغربية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، ولكن واشنطن تنوي إدراج فقرة في تفصيل اتفاقيتها البديلة لـ "النافتا"، مع كندا والمكسيك، تقضي بمنع الشركاء التجاريين من التعامل مع الاقتصادات غير السوقية مثل الصين، وبالتالي ستحتاج الصين وكندا أو المكسيك إلى البحث عن مخرج قانوني متشعب أو اتفاقية محكمة للالتفاف حول هذا البند.

  

2- محليات العملاق

ستواصل بكين تطبيق إصلاحاتها القاسية على شركاتها الحكومية العملاقة لتوفير إمكانية أكبر للوصول للأسواق العالمية، ولتعزيز القدرة التنافسية لها، وهو أمر تعاني منه الاستثمارات الأجنبية. وقد بدأ مصطلح في الظهور في الأشهر الأخيرة وخلال النقاشات الحكومية ولأول مرة وهو "الحياد التنافسي"، كمرحلة تالية للإصلاحات الحالية. وتستخدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) هذا المصطلح للإشارة إلى ساحات اللعب المتكافئة أو الأسواق التنافسية، وبالتأكيد لا يُتوقع مشاهدة حياد تنافسي على الطريقة الغربية في الصين، ولكنه سيظل مقرونا بالمصالح والأهداف الدقيقة للأخيرة(17).

    

    

في غضون ذلك، من المتوقع فتح أبواب بعض الصناعات الصينية المختارة بعناية أمام الاستثمارات الأجنبية، قطاعات مثل التمويل والتكنولوجيا الفائقة والاتصالات والطاقة وتوسيع نطاق ملكية الشركات. وتأكيدا على تلك الخطوة قام النظام الصيني بتوفير بوادر ذلك الوصول للأسواق لبعض الشركات الغربية الكبرى، مثل شركة السيارات الأميركية تسلا (Tesla)، والبنك الاستثماري السويسري (UBS)، وشركة باسف (BASF) المنتجة للمواد الكيميائية في ألمانيا(18)، إلا أنه وبرغم كل ذلك فسيظل هناك قطاعات رئيسة محصورة على التنانين الاقتصادية الحكومية فقط، حيث تسعى بكين بها لمزيد من الاستقلالية الاقتصادية، مثل صناعات أشباه الموصلات والطيران.

  

روسيا

سيواصل بوتين تطبيق بعض الإجراءات المحلية التي ستؤثر بالسلب على الشعب الروسي، مثل رفع سن التقاعد وفرض ضريبة القيمة المضافة، بهدف دعم موازنة الحكومة، وستؤدي تلك الإجراءات على الأرجح إلى اندلاع احتجاجات محلية ستُحرّكها شخصيات معارضة، وسيرد الكرملين عليها بمزيد من حملات القمع الأمني والتعديلات السياسية الصورية في أغلبها.

  

وعلى الأرجح، فإن الاقتصاد الروسي سيواصل معاناته بسبب تمديد العقوبات من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع احتمالية توسيع نطاق تلك العقوبات في أعقاب الحادث الأخير في مضيق كيرتش(19) أواخر العام المنصرم، وستؤدي مقاومة واشنطن للوجود الروسي في المناطق المجاورة لها عن طريق دعم الدول المؤيدة للغرب مثل أوكرانيا وجورجيا؛ ستؤدي إلى استنزاف المزيد من أموال موسكو بسبب التعزيزات العسكرية الروسية المتزايدة في تلك المناطق.

  

    

ويمكن أن يشهد العام الحالي إضافة واشنطن لعقوبات جديدة(20) تؤلم الاقتصاد الروسي، كأن توسع نطاق فرض العقوبات على مزيد من المسؤولين والكيانات الروسية، وكأن تقطع قنوات التجارة المشتركة الرئيسة، أو يضغط الكونغرس مثلا على البيت الأبيض لاتخاذ خيارات أكثر تطرفا مثل استهداف الديون السيادية الروسية أو حظر التعاملات بالدولار مع أكبر البنوك الروسية.

  

ويمكن لتلك العقوبات أن تؤدي إلى أزمة اقتصادية حادة خلال العام الحالي، إلا أن ذلك ربما لن يُفضي للنتيجة المطلوبة لوجود بعض التدابير التي تعمل عليها روسيا منذ فترة لتقليل تأثير العقوبات، مثل تكوين جدار حماية من احتياطات النقد الأجنبي، وإنشاء صناديق الثروة، وتقليل الاعتماد على الدولار في معاملاتها التجارية، علاوة على ارتفاع أسعار النفط -المؤقت كما هو مرجح- والذي أنعش برغم ذلك الخزانة الروسية قليلا.

    

    

لن تقف موسكو مكتوفة الأيدي كما ذكرنا، ولكنها ستنفّذ العديد من الإستراتيجيات الأخرى للإفلات من الحصار الغربي. وستسعى لتوسيع علاقاتها مع البلدان المناهضة لواشنطن وإدارة "ترامب" تحديدا، وفي هذا الصدد تأتي الصين بالتأكيد على رأس قائمة تلك الدول(21)، فمن المتوقع زيادة العلاقات الاقتصادية بينهما العام القادم رغم تنافسهما في آسيا الوسطى، وستقوم بكين بضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الروسي في صورة استثمارات في بناء المصانع وخطوط الأنابيب والطرق والسكك الحديدية ومشاريع البنية التحتية الأخرى، وتأتي الاستثمارات الصينية بمنزلة تحييد لموسكو أيضا، حيث إن بكين لا تريد لخصم مثل روسيا، يستطيع أن يلهي دوما النخبة الأميركية وبالتالي يخفف من الضغط الواقع على العملاق الآسيوي؛ لا تريد له أن ينهار. وستسعى موسكو تجاه شواطئ اليابان أيضا، وإن كان خلافهما حول جزر الكوريل سيحد قليلا من تعميق مرجح لتلك العلاقات في عامنا الحالي، ولن تتخلف فنزويلا وإيران وتركيا وكوريا الشمالية ودول آسيا الوسطى عن القائمة الروسية الاستثمارية لمواجهة قبضة "ترامب" المتنامية بلا توقف. 

لارسال مواد واخبار لموقع قسماوي نت البريد: [email protected]

اضف تعقيب

ارسل